نجاحات مجتمع الاستخبارات الروسي وإخفاقات نظيره الأميركي

محمد احمد الروسان

ثمة قول نتاج تجربة: اذا كان السياسيون يختلقون الماضي بشكل غريزي، فإنّ رجال الاستخبارات يفعلون ذلك بشكل احترافي ومهني عميق.

بان كي مون ما غيره قال: انّ تدمير الترسانة الكيميائية السورية تم بفضل الاتفاق الروسي الأميركي وبالتعاون العميق مع الحكومة السورية مع شكره للأخيرة على مسارات التعاون .

ماذا يعني هذا واقعيّاً وبالمعنى السياسي والقانوني؟ يعني باعتقادي أنّ المجتمع الدولي وعبر الناطق الرسمي باسمه، صار يرى في روسيّا قوّة عظمى مقابلة لأمريكا، وبالتالي فإنّ توازناً دوليّاً بقيادة هاتين الدولتين وشراكاتهما في حلّ العديد من القضايا، سيحقق حلاً للكثير من العقد والمشاكل العالقة في العديد من البلدان، بعبارة أخرى اعتراف علني أممي للفيديرالية الروسية بمكانتها العالمية الجديدة وعبر البوّابة السورية، وهذا الاعتراف الأممي سيقود الى حالات التعزيز الحتمي من السياسة الروسية إزاء سورية، كجغرافيا وديمغرافيا وكنسق سياسي متجدّد ومتجذّر في المنطقة الى حين.

ومعنى الشكر العميق لهذا البان كي مون أمين عام الأمم المتحدة للسلطات السورية على تعاونها في هذا الموضوع، هو أنّ تلك السلطات وهي مصطلحات قانونية ودستورية تتبع حكومة شرعية تابعة لنظام حكم قانوني وشرعي أيضاً، أيّ بمعنى آخر وعلى قاعدة ومبدأ الاستلاب الفكري والقانوني، أنّ هذا النظام وسلطاته المتعاونة والتي صدر مئات المطالبات بإسقاطه، وتحت مزاعم عدم الشرعية وكذلك النصائح غير البريئة الصادرة من البعض، من بعض عرب وبعض غرب له بالتنحّي، كلّ ذلك صار من أساطير الأولين وخرافات لا يمكن تحقيقها، الى أن يشاء الله أمراً كان مفعولاً وقدّر الله ما شاء فعل.

وقبل ذلك مجلس الأمن الدولي وعبر القرار 2170 بخصوص «داعش»، اعترف هذا المجتمع الدولي ووافق الرئيس بشّار الأسد، بأنّ ما جرى ويجري في سورية ليس ثورة وإنما إرهاب، ولكن وبعد أكثر من ثلاث سنوات سقط من سقط من الضحايا والأبرياء، ودمّرت إمكانيات دولة ذات حضارة وتاريخ أكبر وأعمق من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية ومن تحالف معها من غرب أوروبي، وبعض دول عربية تاريخها السياسي يعود إلى مرحلة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بعشرين عاما.

لقد صار واضحاً للجميع أنّ أية تفاهمات حول الأزمة السورية لن تخرج ولا تخرج الاّ من تحت مظلّة وعباءة الفيديرالية الروسية، ولا اتفاق حول سورية وأزمتها السياسية ما لم توافق عليه موسكو.

والسؤال هنا: هل ثمة تفاهم روسي أميركي جديد حول الأزمة السورية، في طريقه إلى العلن، بعد صدور القرار 2170 بخصوص أبناء الماما الأميركية الدواعش؟

اذاً الدبلوماسية الناعمة، وبعمق، وبشقيها الاستخباري الدبلوماسي والسياسي الرياضياتي، والتي تنتهجها الفيديرالية الروسية وإدراكاتها لحالة التشابك بين السياسي والاقتصادي والاستخباري والعسكري والفكري الثقافي، أفسحت المجال أمام حلول وسط لنتائج الحروب البديلة، أي الحروب الداخلية التي أنتجتها واشنطن في الدواخل العربية، وتحت مسمّيات الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان والحاكمية الرشيدة ضمن وعاء ما سُمّي بالربيع العربي، حيث هناك مصلحة مشتركة على طول خطوط العلاقات الروسية الأميركية بأن لا تكون الأزمة السياسية السورية، مدخلاً لانفجار كامل على صعيد المنطقة، يعزّزها ما يجري من عدوان مستمرّ على غزّة، فلا بدّ من محاصرة ما تمّ إدخاله من إرهاب الى سورية على مدار نحو أربع سنوات، والبحث عن مخارج سياسية ودبلوماسية لإخراج سورية من اللعبة الأممية حولها.

إذاً… أيّاً تكن اتجاهات المسألة السورية وجوهرها، فإنّ النسق السياسي السوري وعنوانه الرئيس الأسد باق وباق، سواءً جنحت المسألة السورية، إن لجهة عودة المسار العسكري البحت مع سلسلة جولات من العنف أشدّ ضراوة، وان لجهة المسار السياسي عبر جنيفات جديدة ومضامينها كما صرّح الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي في موسكو، وان لجهة مسار عسكري ومسار سياسي متلازمين معاً.

نجاح النواة الصّلبة

النواة الصلبة في الدولة الأممية الروسية، نجحت في جعل عنوان النسق السياسي السوري العقدة والحلّ معاً، لا بل وعقدة الحلّ نفسه حفاظاً على الأمن والسلم الدوليّين، ونكايةً بالطرف الخارجي بالحدث السوري من أميركيين وبريطانيين وفرنسيين وبعض العرب, والروس أرسوا توازناً دقيقاً حال وما زال يحول دون تدخل عسكري خارجي في سورية، دعماً لبقاء الرئيس الأسد استناداً إلى قوته وقوة نظامه في المعادلة السورية الوطنية، إن لجهة المحلي وتعقيداته، وان لجهة الإقليمي وتداعياته ومخاطره، وان لجهة الدولي واحتقاناته وتعطيله وآثاره على الأزمة الاقتصادية العالمية، وبالتالي أثاره على نسب النمو الاقتصادي واستعادة المنظومة الاقتصادية الأممية لعافيتها، بعد أزمة الرهن العقاري وارتباطاتها في الولايات المتحدة الأميركية شرارة وجوهر الأزمة الاقتصادية الأممية.

كما أسهمت موسكو وبقوّة في جعل النسق السياسي السوري بقيادة الرئيس الأسد طرفاً رئيسياً في التسوية، ومن البديهي القول إنّ بقاء الأسد ونسقه لم يكن ثمناً من أثمان مسألة التسوية الكيميائية السورية، كما يظن السذّج من الساسة الذين تتمطى رقابهم كالعوام، بل انّ الرئيس الأسد وموضوعة بقائه صارت أولاً بفعل قوته الذاتية وقوة سورية وجيشها وصمود شعبها، وثانياً نتيجة الدعم الفاعل والجادّ للدبلوماسية الروسية، وهذا خارج دائرة التفاوض والمساومة ومسألة خارج النقاش بالنسبة لموسكو وإيران ودول البريكس.

وبالتالي الحوار مع النسق السياسي السوري، لم يعد مشروطاً برحيل الأسد أو تنحّيه، بل انّ هذا الحوار لا يكون منتجاً إلا مع هذا النسق القوي، وهذا ما غرسته الدبلوماسية الروسية في عقل الحكومة الأممية، حيث ملتقى المتنوّرين من اليهود الصهاينة، والمسيحيين الصهاينة، والمسلمين الصهاينة، والعرب الصهاينة، بأنّ ما يجري في دمشق يجري في موسكو ودفاعهم عن دمشق دفاع عن موسكو.

نعم! لا عيب ولا تثريب على موسكو بعد اليوم، حيث كانت المسألة السورية وحدثها بالنسبة لها، مدخلاً واسعاً لرسم معادلات وخطوط بالألوان والعودة إلى المسرح الأممي، من موقع القوّة والشراكة والتعاون والتفاعل بعمق، وتحمّل المسؤوليات ضمن الأسرة الدولية الواحدة في عالم متعدّد الأقطاب، لإحداث التوازن الأممي الدقيق في شتى الأدوار والقضايا بما فيها الصراع العربي الإسرائيلي كصراع استراتيجي وجودي في المنطقة والعالم، بالنسبة إلى العرب الحقيقيين، والمسلمين الحقيقيين، لا عرب صهاينة ولا مسلمين صهاينة، ولا عرب البترول والغاز.

نعم من حق النواة الصلبة في الفيديرالية الروسية وعنوان هذه النواة الرئيس فلاديمير بوتين أن يقول: ثبات وتماسك الجيش العربي السوري العقائدي ضمن وحدة وثبات النسق السياسي السوري وعنوان هذا النسق الرئيس الأسد قد جلبوا للفيديرالية الروسية العالم أجمع.

الوضع الروسي في الشرق الأوسط له آفاقه الخاصة، فموسكو حاضرة بقوّة على كلّ الجبهات: من إيران إلى فلسطين المحتلة، ومن مياه الخليج المسلوبة السيادة أميركا، إلى سورية التي تتعرّض لحرب كونية سافرة، إلى لبنان الساخن مروراً بالعراق الذي يتعرّض لحالات مخاض عسير، عبر بعض أطراف من العربان المرتهنين للخارج. موسكو تعود بقوّة ودبلوماسيتها أخذت تظهر دينامية متنامية إزاء الأزمات التي تهز المنطقة، وصارت موسكو وبشكل متجدّد وجهة رئيسية للتعاطي مع هذه الأزمات، وعادت مرةً أخرى إلى المياه الدافئة في الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.

عودة موسكو

وتأتي عودة موسكو على الجبهة الدولية والجبهات الإقليمية الأخرى، على أساس الاستفادة من الصعوبات التي تعاني منها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وهذا يمنحها صك تواصل وانفتاح على تلك الأطراف التي لا تتعامل معها واشنطن، حيث تستفيد موسكو وتوظف بؤر النزاعات والملفات الساخنة لإسماع صوت مختلف عن الصوت الأميركي والغربي بشكل عام، وهذا ما يجعلها مسموعة ومقبولة لدى الجانب العربي لوقوفها إلى جانب حقوقه المشروعة، وأقلها إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 وعودة القدس لتكون عاصمة لتلك الدولة وعودة اللاجئين والنازحين إليها، فروسيا اليوم لاعب نزيه وحقيقي وعادل في كواليس الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية، كما هي لاعب نزيه وعادل وحقيقي في تداعيات ما يُسمّى بالربيع العربي، ودورها الحقيقي والفاعل والمتصاعد في الحدث السوري، للحفاظ على الدولة السورية وعلى الأمن والسلم الدوليّين.

تقول المعطيات النظرية لعلم العلاقات الدولية، بأنّ التوازن الإقليمي يرتبط دائماً بالتوازن الدولي، وبتنزيل هذه الحقيقية إلى الواقع الميداني، فقد كان التوازن الإقليمي الخاص بمنطقة الشرق الأوسط يرتبط بالتوازن الدولي الخاص بنظام القطبية الثنائية خلال فترة وجود القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق ولكن بعد انهيار القطبية الثنائية وانفراد واشنطن بالزعامة محاولةً الهيمنة على النظام الدولي، بدا واضحاً أنّ منطقة الشرق الأوسط قد شهدت على أساس اعتبارات التوازن الدولي، حدوث فراغ في الميزان الأممي بسبب غياب القوّة السوفياتية التي انهارت وعدم تقدّم روسيا أو الصين لملء الفراغ في الميزان الدولي، صعود قوّة «إسرائيل» في ميزان القوى الإقليمي، هبوط قوّة الأطراف العربية في ميزان القوى الإقليمي، مع الأخذ بعين الاعتبار حالة انقسام سادت في المنطقة العربية، بحيث أكد ما يُسمّى بمحور الاعتدال في المنطقة الذي يُعاد إنتاجه من جديد الآن على ضرورة المضيّ قدماً في القبول بالنفوذ الأميركي وتقديم التنازلات للمشروع الإسرائيلي – الأميركي – الغربي. وعلى الطرف الآخر، أكد ما يُسمّى بمحور الممانعة في المنطقة على ضرورة المضيّ قدماً في الاعتماد على الإرادة العربية والقدرة الذاتية ومبادئ العدالة والحقوق المشروعة، كوسيلة لمواجهة المشروع الإسرائيلي الأميركي الغربي في المنطقة الشرق الأوسطية.

الآن تمثل جهود روسيا الفيديرالية، بمواقفها المختلفة إزاء الحدث السوري وإزاء إيران وبرنامجها النووي السلمي، وإزاء الدور التركي المتلوّن وكافة الملفات الأخرى في المنطقة، بما فيها ملف التسوية السياسية، هذه الجهود الاستراتيجية والتكتيكية تشكل رسائل جديدة تحمل الإشارات التالية:

بدء عودة روسيا إلى منطقة شرق المتوسط، من أجل ملء الفراغ الذي خلَفه انهيار الاتحاد السوفياتي، ردع النفوذ الأميركي في المنطقة، عن طريق التأكيد بأنّ أمريكا لن يكون في وسعها الانفراد الكامل بممارسة النفوذ على المنطقة، ردع الإسرائيليين من مغبّة اعتماد استخدام القوّة الغاشمة المرفوضة، ودبلوماسية العمل من طرف واحد عن طريق وضع الإسرائيليين أمام روادع على النحو التالي:

إنّ موسكو تمثل لاعباً دولياً مؤثراً في الساحة الأممية، لأنّ لها دوراً كبيراً في إدارة الصراع الدولي الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي واللجنة الرباعية، إنّ موسكو قادرة على تعزيز قوّة الأطراف الأخرى، وإعادة نظام سباق التسلح الذي سبق أن شهدته المنطقة على النحو الذي يضعف التفوّق العسكري النوعي الإسرائيلي الحالي، ولموسكو خارطة طريق جديدة في الشرق الأوسط، حيث تتحدث المواقف الروسية عن نفسها، بأنّ موسكو تسعى حالياً إلى معاقبة الولايات المتحدة الأميركية عن طريق القيام بلعب دور معاكس لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، رداً على دور واشنطن المعاكس في منطقة البلقان وشرق أوروبا ودفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية عبر الحدث السوري. لقد فعلت موسكو وعبر دبلوماسيتها الجادة فعلها ومارست شتّى الضغوط، على «إسرائيل» وواشنطن في الشرق الأوسط، إلى عقد تفاهمات بين موسكو وواشنطن تتراجع بموجبها الأخيرة عن استهداف النسق السياسي السوري، وتقديم تنازلات لموسكو في ملفات نشر برنامج الدفاع الصاروخي والقواعد العسكرية الأميركية وغيرها، وفي المقابل تتراجع موسكو عن ملفات الشرق الأوسط غير الاستراتيجية، وعدم استهداف المصالح الأميركية وخاصة في جورجيا على أن يكون ذلك بالتفاهم معها.

ولكن على العكس تماماً، تبدو التحركات الروسية وهي تشي إلى أنّ ثمة «خارطة طريق روسية دولية» تقوم موسكو بتقفّي معالمها الرئيسية، كون التحركات الروسية المعاكسة لأمريكا شملت:

منطقة الخليج العربي: سبق للرئيس الروسي فلادمير بوتين زيارتها. منطقة الشرق الأدنى: يوجد صعود روسي معاكس لأمريكا في أوكرانيا حيث القرم عادت إلى الفيديرالية الروسية من جديد، أرمينيا، منطقة القوقاز والقفقاس، إضافة إلى الموقف الروسي المتجدّد والثابت والداعم للنسقين السوري والإيراني.

منطقة آسيا الوسطى: استطاعت موسكو أن تضعف الوجود الأميركي في آسيا الوسطى عن طريق الاتفاقيات الثنائية مع دولها الخمس: تركمانستان، أوزبكستان، كازاخستان، طاجيكستان، وكيرغيزستان.

نفوذ منظمة شنغهاي

منطقة الشرق الأقصى: تحركات روسيا في ملف الأزمة النووية الكورية الشمالية بحيث أدّت إلى إضعاف الموقف الأميركي المتشدد في المنطقة، ويضاف إلى ذلك انخراط روسيا بكين ضمن منظمة تعاون شنغهاي كمنظمة إقليمية، والتي استطاعت أن تفرض نفوذها الجيويوليتيكي على الإقليم الأوراسي الذي يضمّ روسيا، الصين، منغوليا، دول آسيا الوسطى، والذي سبق أن أجمعت كلّ النظريات الاستراتيجية على انّه يمثل مفتاح السيطرة على العالم باعتباره يمثل منطقة القلب الاستراتيجي لخريطة العالم.

من ناحية أخرى، إنّ انخراط روسيا في أجندة الصراع العربي – الإسرائيلي ضمن جهد شامل ونوعي، بالإضافة لما ذكر سابقاً في متن هذا التحليل يهدف من جهة أخرى إلى مكافحة ومواجهة انخراط واشنطن المتزايد في إقليم أوراسيا آسيا الوسطى، القوقاز، القفقاس ، كذلك البدء بالتحركات المتعلقة بالملف النفطي، مع كلّ من مصر والجزائر وغيرها من البلدان الشرق الأوسطية النفطية، لبناء قوّة ناعمة نفطية روسية لجهة بناء تحالف نفطي روسي – شرق أوسطي.

التصدّي للسلوك الأميركي

حتّى الآن، تنظر التحليلات الأميركية إلى أنّ التحركات الروسية في الشرق الأوسط تهدف إلى معاقبة أمريكا، ولكن كما هو واضح فإنّ التحرك الروسي يمكن أن يكون جزئيّاً بسبب هذه المعاقبة، وما لم تنتبه إليه التحليلات الأميركية الصادرة حتّى الآن، هو أنّ روسيا قد باشرت التصدي للسلوك الأميركي في ملف كوسوفو، ومنذ البدء وقبل خمس سنوات من الآن، عن طريق استخدام الملف الجورجي وتداعيات هذا الاستخدام الروسي المشروع من وجهة نظر موسكو، على اعتبار أنّ ذلك يمسّ أمنها القومي ومجالها الحيوي.

وكما هو معلوم للجميع في المجتمع الدولي، إنّ جورجيا تمثل الحليف الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية في منطقة القفقاس، تتعرّض لتكريس أزمة انفصال أبخازيا الشركسية، وانفصال أوسيتيا الجنوبية، وفي ردّ الفعل الروسي على انفصال كوسوفو، أعلنت روسيا وما زالت عن استعدادها لتأييد ودعم وتجذير انفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا إذا تجرّأت جورجيا على الانضمام إلى حلف الناتو.

وبسبب الإخفاقات الأمنية الاستخباراتية، وعبر فجوة إشكالية المعلومات الاستخباراتية التي عانت وتعاني منها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لجهة الأخطاء في التخمينات والتقديرات وخاصة في المشهد الصيني، والمشهد الكوري الشمالي، والمشهد التايلندي ومناطق جنوب شرق أسيا، وحيال المسرح الإيراني والباكستاني، والمسرح الأفغاني، والمسرح العراقي، والمسرح المصري، والمسرح التركي، والمسرح السوري، المسرح الأوكراني وعقابيله المستمرة، العلاقات الروسية الصينية ومسارات تطورها، وفي الملف اللبناني المقاومة وحزب الله، وفي ملف الدولة الأردنية الحراك السياسي المتذبذب في الصعود أحياناً والانخفاض أحياناً أخرى داخل مؤسسات الدولة الأردنية الرسمية والشعبوية.

فالوكالة فشلت فشلاً ذريعاً، إن لجهة تقديم المعلومات الضرورية والكافية التي تتمتع بالمصداقية والدقة، في وقتها المناسب والداعمة لقرارات الإدارة الأميركية، وخاصةً قرارات مجلس الأمن القومي الأميركي، ووزارة الخارجية الأميركية، ومؤسسة البنتاغون، ودعم تخمينات وتقديرات مجمّع الاستخبارات الأميركي، فكانت النتائج مخيّبة للآمال وفي غاية السوء.

الاختراقات الأمنية الاستخباراتية لأروقة الوكالة نفسها ومنشآتها من قبل شبكة الاستخبارات الإسرائيلية مستمرّة وتجري على قدم وساق الآن، جهاز الموساد والشين بيت وآمان، حيث درجت هذه الأجهزة على تقديم تخمينات وتقديرات أمنية وسياسية مغلوطة، ليتمّ تضليل الاستخبارات الأميركية ومراكز القرار السياسي الأميركي، لجهة مجريات الأوضاع في الشرق الأوسط، وعرفنا وشرحنا وفي أكثر من تحليل آنف لنا، كيف كان يفبرك كلّ من السفير جيفري فيلتمان المساعد السياسي الحالي لبان كي مون، ودينيس روس الفاعل والمتفاعل بعمله الحالي كمستشار غير معلن لشعبة الدراسات في الموساد الإسرائيلي ولجهاز استخبارات لدولة عربية توصف بالإقليمية، كيف كانا يفبركان تقاريرهم إلى رئيس مجمّع الاستخبارات الأميركي – حيث كان قليل الاهتمام بها ولم يكترث بتفاصيلها – من خلال مكتب الاستخبارات والبحوث التابع للخارجية الأميركية، حيال الملف الإيراني، والملف السوري، والملف اللبناني حزب الله ، وملف الأوضاع الفلسطينية ومآلاتها، وملف الحراك السياسي في الدولة الأردنية وآلية تفاعل مجتمع الاستخبارات والأستخبارات الأردني معه.

كما أمعنت السي أي إيه بالفشل في التخمينات والتقديرات، لردود أفعال شعوب وحكومات الدول الحليفة والصديقة، لجهة توجهات السياسة الخارجية الأميركية، فتجذّر العداء لأميركا وزاد وتفاقم، ولم تستطع إدارة الرئيس باراك أوباما وحتّى هذه اللحظة، وضع استراتيجية لمواجهة التحوّلات والتقلّبات، لأمزجة القيادات السياسية للدول وأمزجة شعوبها، حيث أدّت تحوّلات السياسة الخارجية التركية، وعلى المستوى التكتيكي والاستراتيجي، إلى إرباك كلّ حسابات السياسة الخارجية الأميركية ذات العلاقة والصلة، بملفات الشرق الأوسط، والشرق الأدنى، والبلقان، والقوقاز الشمالي والجنوبي على حدّ سواء.

وكان لردود الفعل القوية والمنسجمة مع رؤية الدولة، للشارع الأردني المسيّس بأطره الشعبوية والإعلامية والسياسية والحزبية والعشائرية، الرافض لأي تدخلات أميركية في شؤون دولته بما يخصّ حراكه الداخلي وديمغرافيته، أن أربكت أيضاً السياسة الخارجية الأميركية والتي تنظر، إلى الملف الأردني كمخرج للملف الفلسطيني، والرهان يكون على تماسك الجبهة الداخلية الأردنية، ضدّ محاولات أميركية وغيرها تمارس في الخفاء والعلن على الدولة الأردنية، للقبول ببعض المخارج المنتظرة لما بعد العدوان المستمر على غزّة.

الورقة الاقتصادية الأردنية

الأمريكان وغيرهم من جلّ بعض السفلة من بعض عرب وبعض غرب، يمارسون التلويح دائماً وأبداً بالورقة الاقتصادية، وما تعاني منه الموازنة العامة للدولة من سوء، وأنّ القبول بما ترمي إليه هذه الضغوط بمثابة انتحار سياسي، والسؤال الآن هو: هل ستصمد الدولة الوطنية الأردنية في مواجهة هذه الضغوط إنْ لجهة الموضوع الفلسطيني وتشابكاته مع الداخل الأردني، وإنْ لجهة المسألة السورية والوضع الجديد في العراق بعد الانتخابات الأخيرة واستبعاد المالكي وتسمية مساعده حيدر العبادي رئيساً للوزراء، وبعد تمدّدات للدواعش في الشمال العراقي المصادر كرديّاً وصدور القرار 2170 عن مجلس الأمن وتحت الفصل السابع، بالرغم من أنّه بلا قيمة على أرض الواقع فقط رفع عتب عن كاهل واشنطن ؟

وتساوقاً مع مخطط استراتيجية وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التوسعي «بشراهة»، وما يلقي بأعباء نوعية على كاهل البعثات الدبلوماسية الأميركية، في العالم والشرق الأوسط بشكل خاص، وعلى كاهل ميزانية الدفاع والأمن الأميركية، تتحدث معلومات تمّ تسريبها لتلك الميديا المقرّبة والموثوقة، ضمن هذا النسق والسياق وتحت عنوان «الهندرة» الاستخباراتية للسي أي ايه وتعزيز عملها الخارجي، حيث أصدر وزير الحرب الأميركي قراراً واضحاً، برفع مخصّصات العمليات السرية الأميركية في اليمن وايران، في سورية وأوكرانيا، وفي تايلاند والحدائق الخلفية للفيديرالية الروسية بشكل عام. حيث تهدف هذه العمليات السريّة الأميركية، الى تدمير الأهداف المعادية والعمل على بناء الشبكات الصديقة، والقيام بالاستطلاعات وجمع المعلومات وإعداد وتمهيد المسرح الميداني، استعداداً للعمليات والمواجهات المحتملة القادمة. هذا وقد برزت التقارير الأمنية المسرّبة بقصد الى بعض مجتمع الميديا المقرّب الواسع الانتشار، بسبب نوعية وكم المعلومات، بشكل متزامن مع إقصاء بعض كبار ضبّاط الاستخبارات في داخل مجاميع الاستخبارات الأميركية في الداخل والخارج.

حيث تمّ تحميل من تمّ اقصاؤه الضحايا مسؤولية كلّ نقاط الضعف والأخطاء والاختراقات الأمنية الاستخباراتية العسكرية، وما ترتب عليها من نجاحات لحزب الله اللبناني في تعزيز قدراته العسكرية، ونجاحات لمجتمع المقاومة الفلسطينية في الداخل الغزيّ المحتلّ، بالرغم من إلقاء أكثر من عشرين ألف طن متفجرات بما يعادل ستة قنابل نووية، وصعود حركة طالبان باكستان وطالبان أفغانستان من جديد وبقوّة، وصعود حركة أنصار الشريعة في ليبيا، وصعود الجماعات المسلحة في سيناء من أنصار جماعة بيت المقدس وغيرها وفي دارفور وما يجري في داخلها سرّاً الآن، وحركة بوكو حرام وتصاعدها في نيجيريا، ونشاطات للجماعات المسلحة في الجزائر وهي في تصاعد، بجانب ما يجري في تونس في جبل الشعانبي، وما يحضّر الآن للمغرب وموريتانيا، وملف دولة جنوب السودان اسرائيل أفريقيا .

وتقول معلومات استخبارات، وبعد تفاقمات الأزمة الأوكرانية وثبات النسق السياسي السوري، ومضيّ الدولة الوطنية السورية في برامجها السياسية والعسكرية، وتماسك الجيش السوري والقطاع العام السوري وتنفيذ استحقاق الثالث من حزيران بشكل ناجز، فإنّه وبناءً على توصية مشتركة شارك في بلورتها وزير الحرب الأميركي، ورئيس مجلس الأمن القومي الأميركي الآنسة سوزان رايس بالتعاون مع جون برينان، قام مؤخراً قائد القيادة الوسطى الأميركية، بإصدار قرار لوحدات القيادة الوسطى، بضرورة استخدام وحدات القوّات الخاصة لتنفيذ المزيد من العمليات السريّة في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً، حيث تقوم القيادة الوسطى الأميركية بإعدادات متزايدة للبنى التحتية، التي سوف ترتكز وتقوم عليها العمليات السريّة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية حالياً وفي المرحلة القادمة في الشرق الأوسط، وباقي مناطق العالم ذات العلاقة والصلة بالرؤية الاستراتيجية الأميركية، حيث هناك عمليات سريّة تمّ القيام بها وعمليات أخرى قيد التنفيذ، وأخرى ما زالت تخضع لمزيد من الدراسة، وبالتنسيق مع الاستخبارات الإسرائيلية وبعض الدول العربية الحليفة لواشنطن، كلّ حسب قيمته ودوره وحاجة أميركا له.

ويعترف قادة الجيوش الحربية الأميركية بوضوح، أنّ العمليات السريّة الأميركية الحالية والقادمة، سوف تزيد الشرق الأوسط سخونةً على سخونة، وبالتالي سوف تؤدّي الى تصعيد عسكري في مختلف مسارحه وبؤره الملتهبة، ويضيف أحدهم أنّ هذا التصعيد العسكري المتفاقم، له تأثيرات حيوية وإيجابية لناحية، تحفيز ودعم خطط المساعدات العسكرية والاستخباراتية الأميركية، حيث تسعى واشنطن من خلالها الى تعزيز المصالح الأميركية في المنطقة، والى دعم حلفائها الأسرائيليين والمعتدلين العرب. كما تؤكد قيادة الجيوش الحربية الأميركية على أنّها ستعمل على نشر المزيد من القواعد العسكرية الأميركية، حيث تتمركز فيها أسراب الطائرات بدون طيار، وبناء القدرات التكنولوجية المتطورة المربوطة بالأقمار الصناعية، لتوجيه وإعادة توجيه الطائرات بدون طيار بشري، وتحقيق القدرات على الاستطلاع وجمع المعلومات ذات القيمة الاستخبارية في المنطقة، ومتابعة دقيقة لمختلف الأهداف ذات القيمة الاستخبارية الاستراتيجية والتكتيكية في المنطقة أيضاً.

نعم المؤسسة السياسية والاستخبارية والعسكرية في العاصمة الأميركية واشنطن دي سي، وبالتماهي والتساوق والتنسيق مع جنين الحكومة الأممية البلدربيرغ ووول ستريت وشركات النفط الكبرى، يسعى الجميع إلى تدمير الوجود الروسي في المنطقة، وهذا هو الهدف من الأزمة التي خلقها وأحسَنَ خلقها بخبث مجتمع الاستخبارات الأميركي والبريطاني والفرنسي بالتعاون، مع استخبارات البنتاغون والاستخبارات الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الأميركية في أوكرانيا، كنتيجة للآستعصاء في المسألة السورية وتماسك صلابة الموقفين الروسي والصيني.

محام، عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية

Mohd ahamd2003 yahoo.com

www.roussanlegal.0pi.com

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى