اضاءة

اضاءة

غارسيا ماركيز… المغرّد روائياً خارج سربه

محمد محمد الخطابي

في السابع عشر من شهر نيسان الحالي حلت الذكرى الثالثة لرحيل أعجوبة الواقعية السحرية في أدب أميركا اللاتينية، الكاتب الكولومبي ذائع الصيت غابرييل غارسيا ماركيز الذي كان وُلد في السادس من آذار 1927 في قريته الصغيرة «أراكاتاكا» التي ستغدو في روايته «مئة سنة من العزلة» ماكوندو والتي ستتحول على يديه من ضيعة مغمورة صغيرة، إلى قرية أسطورية مشهورة في العالم أجمع. روائي من هذا الطراز الذي أضفى سحراً خاصاً على الرواية العالمية المعاصرة، ليس من السهولة واليُسر أن يطويه الردى، ويحجُبه الغيابُ عن قرائه ومُعجبيه الذين يُقدرون بالملايين ليس في لغة سرفانتيس وحسب، بل في مختلف لغات العالم.

لم تتوان الأوساط الأدبية في مختلف بلدان العالم الناطق باللغة الإسبانية عن التذكير بهذه المناسبة، كما لم تأل الصحف اليومية، والأسبوعية الكبرى في إسبانيا، وفي بلده كولومبيا وفي أميركا اللاتينية في التعرض لهذا الموضوع، وإبراز عدد من الجوانب المضيئة في حياة هذا الكاتب. وفي هذا السياق نشرت جريدة «إلباييس» الإسبانية واسعة الانتشار مؤخراً مقالاً بقلم الكاتب الإسباني مانريكي سابوغال حول هذا المبدع الذي يحلو لمختلف الكتاب، والنقاد تسميته باسمه المُدلل «غابو».

يشير الكاتب فيه إلى أن حفلات التكريم التي خُصّصت للكاتب في ذكرى رحيله شملت مختلف بلدان العالم الناطقة باللغة الإسبانية، مروراً بنصف قرن على نشره روايته الشهيرة «مئة سنة من العزلة» ولمناسبة مرور سبعين سنة على نشره أولى قصصه القصيرة، وأخيراً لمناسبة مرور 35 سنة على حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 1982.

يذكّرنا صاحب المقال بولادة غابرييل غارسيا ماركيز حيث صاحت عمتُه فرانسيسكا في ذلك اليوم تقول: إنه ذكر… إنه ذكر، وهي تهرول وتفتح طريقها وسط طوفان من الأمطار الغزيرة التي كانت تهطل من دون انقطاع على سطح منزل جدّه لحظة ولادته. ويخبرنا أنه سُمّي غابرييل تيمّناً باسم والده، وعاش «غابو» منذ تلك اللحظة 87 سنة من الإبداع المتواصل والعطاء الثرّ إلى أن توفي في 17 نيسان 2014.

عاش المولود الصغير ثماني سنوات في هذا المنزل محاطاً بعدد من قريباته، وأصغى «غابو» إلى القصص وحكايات وخرافات ما وراء القبور والموت المشحونة بالخوف والفزع، ثم صار يقضي اليوم كله مع جده الذي كان يتحدث إليه كما لو كان يتحدث إلى رجل بالغ. كان يرافقه في كل مكان، ويحكي له من دون انقطاع أحداث وأهوال الحروب التي خاضتها كولومبيا. وعاش «غابو» الصغير بين عالمين يقومان على طرفي نقيض، بين عالم جده الحقيقي والواقعي الملموس، وعالم جدته الذي كان يقوم على الخيال، والخرافات الغرائبية الرهيبة. أما المرحلة الثانية من حياته التي استقى منها مواضيع إبداعاته، فقد كانت شوارع قريته «أراكاتاكا»، والنقع المتطاير في فضائها بفعل حرارة الشمس الكاريبية الحارقة، وظلال لياليها الدافئة، كل ذلك كان العالم الذي أوحى له بقصصه الأولى.

كان قد تجدد الحديث بإفاضة عن ماركيز قبل وفاته، حيث نُشرت كتب عدة حوله، كان مثيراً للجدل في حياته الخاصة، ورواياته، وتصريحاته، أو مع أصدقائه وخلانه، أو بخصوص كبريائه، وخيلائه، وعناده، والمشاكل الصحية التي بدأت تنتابه بخصوص الضعف الذي كان يعاني منه في ذاكرته.

بعد حوالي أربعين يوماً من احتفاله بعيد ميلاده السابع والثمانين، في بلد إقامته المكسيك، غيب الحمام في17 نيسان 2014 صاحب «مئة سنة من العزلة» التي قال عنها بابلو نيرودا إنها من أعظم الروايات التي كتبت في اللغة الإسبانية بعد «دونكيخوته دي لا مانشا» لمغيل دي سرفانتيس، يُضاف إليها «الحب في زمن الكوليرا»، و«الكولونيل ليس لديه من يكاتبه»، و«يوميات موت مُعلن»، و«الجنرال في متاهته»، و«خريف البطريرك» وسواها من الأعمال الإبداعية الأخرى.

لقد فتحت آداب ماركيز الباب على مصراعيها للإبداعات الأدبية في أساليب جديدة مبتكرة، كان كذلك من أبرز وأهم كتاب «البوم» الأدبي الشهير للرواية الإسبانية الأميركية في العالم أجمع، كما كان من أشهر كتاب موجة «الواقعية السحرية» في الآداب الأميركية اللاتينية، التي انتشرت واشتهرت منذ سبعينات القرن المنصرم.

ماذا إذن تعني رواية «مئة سنة من العزلة» التي ملأت الدنيا وشغلت الناس؟ وما هي أهميتها بالنسبة لباقي أعمال ماركيز؟ وما هو سر أو سحر نجاحها وشهرتها وانتشارها ونقلها إلى مختلف لغات الأرض؟ ترجمت إلى 37 لغة بما فيها العربية . هذه الرواية التي توج بها غابو رحلته الطويلة في عالم الخلق والإبداع بجائزة نوبل في الآداب عام 1982، وملأ بها الدنيا وشغل الناس، كان قد كتبها في المكسيك ونشرها في بوينس أيريس ولم يكن يتجاوز عمره آنذاك التاسعة والعشرين. وكان أول نقد كتب حول هذه الرواية بقلم الناقد المكسيكي إيمانويل كاربايو عام 1967 عندما قرأها وهي بعد مطبوعة على الآلة الكاتبة، ولم تكن قد صدرت. لقد ذهب هذا الناقد في ذلك الوقت إلى القول: «إنه وجد نفسه أمام واحدة من أعظم الروايات في القرن العشرين» ولم يخطئ. خرج غابو من قريته عام 1930 ومن كولومبيا عام 1954 إلا أنه ظل وفياً لقريته وللذكريات التي عاشها فيها. ونظراً للحرارة المفرطة المعروفة عن هذه القرية، فإننا نجد هذا ينعكس على معظم قصص ماركيز.

يتعرض ماركيز في هذه الرواية للمغتربين العرب الأوائل الذين وصلوا إلى «أراكاتاكا» ماكوندو وعن مهن التجارة التي كانوا يزاولونها، وعن الباعة المتجولين، وبائعي الحلي والمُجوهرات، وهو يستعمل في تسميتهم مُصطلح «الأتراك» وهو مصطلح غير دقيق سُموا كذلك فقط لأنهم عند هجرتهم كانوا يحملون جوازات سفر مسلمة لهم من الدولة العلية العثمانية التركية وتبدو في الرواية بعض العادات والتقاليد العربية، فشارع الأتراك سيصبح في الرواية فضاء سيعرف تغييرات وتحولات واضحة سيكون لها تأثير على معظم سكان ماكوندو التي يقول عنها ماركيز أنها «سرعان ما تحولت من ضيعة صغيرة إلى قرية نشيطة ذات دكاكين وورش للصناعات التقليدية، وإلى طريق تجاري دائم من حيث وصل العرب الأوائل» الذين تعاطوا التجارة والمقايضة وأحدثوا في القرية تنظيماً اجتماعياً أساسياً، وحياة ثقافية، وحملوا معهم «ألف ليلة وليلة» وقصصها العجيبة وخيالها المجنح. إن وصول هؤلاء المهاجرين إلى القرية وانتشار مفهوم التجارة فيها قد يكون تلميحاً أو رمزاً لوصول الإسبان إلى العالم الجديد.

بعد قراءة متأنية لهذا العمل الإبداعي قمتُ بإجراء إحصاء دقيق للكلمات العربية أو التي تتحدر من أصل عربي الموجودة فيه فإذا هي عديدة لا حصر لها مبثوثة هنا وهناك في الرواية منها على سبيل المثال: القطن، والمسجد، والسوسن، والضيعة، والجلباب، والمخزن، العقرب، والكحول، والكافور، والقطران، والزيت، والمسك، والسوط، والياسمين، والزهر، والخزامى، والبركة، والساقية، واللقاط، والزعفران، والزناتي التي استقرت في الإسبانية بمعنى الفارس والكيل، والثرثرة، والشراب، والقاضي، والقائد، والبابوش عربية- فارسية وسواها من الكلمات. ولقد فوجئ العديد من المثقفين والكتاب الكولومبيين بذلك عندما ألقيتُ محاضرة باللغة الإسبانية حول «مئة سنة من العزلة» منذ بضع سنوات خلال أمسية أدبية في نادي «نوغال» المرموق في بوغوتا، إذ يصعب في كثير من الحالات رد بعض الكلمات العربية، أو ذات الأصول العربية التي استقرت في الإسبانية منذ قرون إلى أصلها العربي.

الناقد إمانويل كاربايو يشير إلى أن ماركيز بأعماله الروائية المبكرة إلى جانب روائيين آخرين أسس قواعد الرواية الجديدة في هذه القارة، ونال إعجاب القراء والنقاد إلى جانب كتاب مثل الراحل كارلوس فوينتيس وماريو برغاس يوسا الذين انطلقوا من التزامهم باللغة ثم عمدوا إلى التحليل العميق لواقع الإنسان الأميركي اللاتيني، وعالجوا بذكاء أساطير، وإرهاصات العالم الذي نعيش فيه، وتعكس أعمالهم حياة قارة بأكملها. إن الروائيين الذين يعتبرون إخوة كبار لماركيز وهم كاربنتيير وكورتثار ومارشال، ورولفو، أمكنهم كذلك خلق فن روائي جيد على مستوى القارة. أول قصة كتبها ماركيز لم يكن يتجاوز 19 سنة ونشرها بعد ثماني سنوات وهي «تساقط الأوراق» صدرت في بوغوتا عام 1955، ثم رواية «الكولونيل ليس لديه من يكاتبه» أنهى كتابتها في باريس عام 1957، ثم «الساعة النحسة» التي حصل بها على أول جائزة أدبية عام 1961 وفي عام 1967 ظهرت «مئة سنة من العزلة» التي تعد من أجود الروايات التي شهدتها لغة سيرفانتيس في القرن المنصرم.

قدم ماركيز للرواية الإسبانوأميركية ما قدمه وليم فولكنر للرواية الأميركية، إن قصصه القصيرة هي بمثابة فصول مستقلة لم تجد مكانها في رواياته، أو ربما كتبت لتنير حياة بعض الشخصيات، أو تفسير بعض أحداث هذه الروايات الأكثر انتشاراً في العالم، وهي قصص مكتوبة بطريقة تقليدية تجعل بينها وبين الماضي حداً بواسطة الصمت الذي يغدو في أعمال ماركيز صوتاً مدوياً صاخباً.

إن وجهة نظر ماركيز لا يمكن أن يعاتب عليها، لأنه لا ينكر فضل هذه الرواية الجديدة، ولا الاكتشافات القائمة في التقليد الأدبي الأميركي اللاتيني، وهكذا يمكن أن يقدم بارتياح للقراء عملاً أميركياً، وهو عمل لا يمكن أن يغبط تلك الأعمال التي تكتب في أماكن أخرى من العالم. إن «مئة سنة من العزلة» تعتبر من أدق وأعمق وأجود الروايات، لكن إلى أي حد يمكن استعمال هذا الوصف دون أن ينأى عن الحقيقة؟ إن البنية، والتاريخ والشخصيات والأسلوب والجو الذي تدور فيه الرواية كل ذلك يفي بدقة متناهية بالغرض، فالرواية استعراض في أرقى مظهره للحياة، والألم، والمعاناة، والموت والأمل، حيث الخيال والعبث وكل ما يمكن أن يتخيله المرء يغدو أمامه حقيقة ماثلة. ماركيز بعد هذه الرواية أمكنه أن ينام هانئ البال مطمئن الخاطر حتى وإن كان هناك احتمال مؤداه أن هذا العمل الأدبي قد يقصي الكرى عنه كالأرق الذي كانت تعاني منه ماكوندو وستظل كذلك ما تبقى لها من الأيام. ويشير كاربايو إلى أنه بعد أن أعاد قراءة نقده الأول لهذه الرواية ينبغي له أن يتنبه إلى أن التنبؤات أو قراءة الغيب في الأدب يمكن أن تبتعد وأن تنأى عن الصواب. ففي هذا العرض كان قد توقع الناقد أن ماركيز مثل رولفو وغيره من الذين بعد كتابتهم لعملٍ جيد وممتاز قد يلوذون بالصمت، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث فبعد هذه الرواية استمر ماركيز في الكتابة والإبداع، ونشر كتباً كثيرة جديدة.

أديب وإعلامي ودبلوماسي مغربي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى