أولى

ترتيبات اليوم التالي لوقف الحرب تشمل الإقليم كله

 

 د. عصام نعمان*

 

الحربُ المستعرة في الإقليم تتجه إلى تهدئة محسوبة. التهدئةُ حاجة ماسّة للمتحاربين المتعَبين والتوّاقين إلى استراحة. لكن لا سبيل إلى استراحة راسخة إلاّ بالتوافق على ترتيبات اليوم التالي لوقف الحرب، أيّ بتهدئتها وتسكينها لمدةٍ قد تطول أو تقصر.
ترتيباتُ اليوم التالي لن تقتصر على الحرب في غزة ولبنان، بل تشمل ساحات الإقليم برمّته من شواطئ البحر المتوسط جنوباً إلى شواطئ بحر قزوين شمالاً. ولا يبدو أنها تشمل “الميني حرب” التي توسّعت وما زالت تتوسّع في الضفة الغربية. هذه الترتيبات لا تقتصر على وقف ميداني لإطلاق النار بل على استراحة مديدة للمتحاربين في دول الإقليم المتصارعين على الأرض والسلطة والمصالح والنفوذ. وقد تتضمّن أيضاً إعادة ترسيمٍ لخرائط اتفاق سايكس – بيكو الذي يربو عمره على نحو مئة سنة.
ترتيباتٌ بهذا الاتساع والشمول تستوجب مايسترو مقتدراً وإدارة عليا. دونالد ترامب رشّح نفسه، على ما يبدو، لهذا المركز وهذه المهمة وسينزل إلى الساحة في العشرين من كانون الثاني/ يناير الحالي، يوم إمساكه رسمياً بمقاليد السلطة في بلاده. غير أنّ ترامب لن يكون وحده في ملعب الإقليم الكبير. سيكون في مواجهة ضارية مع لاعبين متشدّدين متمرسين وآخرين قدامى دهاة.
اللاعبون المتشدّدون المتمرّسون هم قادة قوى المقاومة في كلٍّ من فلسطين ولبنان والعراق واليمن. اللاعبون القدامى الدهاة هم الحكام في كلٍّ من تركيا وإيران والسعودية. إلى هؤلاء، ثمة لاعبون صهاينة محترفون يلعبون مع الرئيس الأميركي في الحرب ضدّ قوى المقاومة في شتى ساحات الإقليم، ويلعبون معه وعليه في الساحة الأميركية إذا اقتضت مصلحة “إسرائيل” ذلك. هؤلاء اللاعبون جميعاً هم الذين وضعوا ويضعون ترتيبات استراحة المتحاربين التي يُفترض أن تكون قد أنجزت ووضعت موضع التنفيذ بين “إسرائيل” و”حماس” وحلفائها قبل ظهر يوم الأحد الماضي، وأن توضع موضع التنفيذ بين “إسرائيل” ولبنان في 27 كانون الثاني/ يناير الحالي.
لأنّ ترتيبات اليوم التالي لوقف الحرب وتسكينها تنطوي على استراحة مديدة للمتحاربين، فهي غالباً ما تكون عرضة للخرق والعودة إلى القتال. بنيامين نتنياهو هو المرشح الدائم لخرق الاتفاقات والترتيبات، ويُرجّح كثير من المراقبين أنه سينتهز أول فرصة وذريعة متاحتين كي يعود الى حرب الإبادة في غزة وحرب التوسّع في لبنان. غير انّ ترامب الطموح في رأسه مخطط لـِ “جعل أميركا عظيمة مرة أخرى” قد يمنع نتنياهو من إفساد مخطّطه الإمبراطوري الذي ينطوي على أهداف استراتيجية أكثر إلحاحاً وأهمية في مناطق أخرى من العالم. أيّاً ما يكن الأمر بين القطب الأميركي والتابع الإسرائيلي، فإنّ قادة قوى المقاومة الشعبية العربية محكوم عليهم بأن يستعدوا لأسوأ الاحتمالات الصهيونية، فماذا تراها تكون؟
يُستخلص من المواقف والتصريحات التي تزخر بها وسائل الإعلام الإسرائيلية أنّ ثلاثة احتمالات أو مشروعات تعتمل في رؤوس الزعماء الصهاينة في الوقت الحاضر:
أولها، عدم السماح لحركة حماس وحلفائها بالعودة إلى السيطرة على قطاع غزة وتحويله مرةً أخرى إلى شوكة في خاصرة كيان الاحتلال. وعليه، يعمل نتنياهو وحلفاؤُه لتعزيز اتجاه بعض أركان إدارة ترامب الداعين إلى وضع قطاع غزة تحت وصاية دولية، سياسية وعسكرية، وابتداع منظومة محلّية مدنية فلسطينية لإدارة القطاع، ولا سيما مسألة توزيع المساعدات الإنسانية.
ثانيها، إقناع ترامب بدعم عملية توسيع استيطان الضفة الغربية وصولاً الى ضمّها بأكملها إلى “إسرائيل”، أو “التكرّم” بالموافقة على تخصيص جزء يسير منها لدويلةٍ فلسطينية منزوعة السلاح تكون ملجأ أخيراً للفلسطينيين المهجّرين من سائر أنحاء فلسطين الجاري استيطانها وضمهّا الى كيان الاحتلال.
ثالثها، حثّ ترامب على تسريع تنفيذ ما يُسمّى مشروع “الشرق الأوسط الجديد” وذلك بتقسيم سورية إلى كيانات قائمة على أسس مذهبية او إثنية او قَبَلية، واشتراط أن يكون ذلك بديلاً وحيداً من مهاجمة إيران بمساعدة أميركا لتدمير منشآت برنامجها النوويّ.
إنّ سعي “إسرائيل” لتسويق وتنفيذ هذه المشروعات ليس أمراً سهلاً البتّة، خصوصاً إذا ما جرت مواجهتها بمقاومةٍ شعبية سياسية واقتصادية وعسكرية واسعة على مستوى عالم العرب برمّته. إلى ذلك، يقتضي أن تكون قوى المقاومة الشعبية العربية الناشطة في كلٍّ من فلسطين ولبنان والعراق واليمن مستعدة للردّ بلا إبطاء، وفق ما وعدت به جماهيرها، في حال امتنع العدو الصهيونيّ عن الانسحاب من كلّ المواقع اللبنانية التي تسلّل إليها أو حاول إقامة تحصينات له فيها، وهو أمر مخالف لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تتولى الولايات المتحدة حاليّاً الإشراف على تنفيذ بنوده، أو حاول العدو إقامة مناطق عازلة في قطاع غزة، أو منع مئات آلاف الأهالي المهجّرين إلى جنوب القطاع من العودة إلى منازلهم في غزة وسائر البلدات في محيطها.
إلى ذلك، اتضح أنّ قوى المقاومة الميدانيّة في فلسطين ولبنان ليست ضعيفة ولا مهزومة. صحيح أنّها تضرّرت جرّاء حرب الإبادة الطويلة التي شنّتها “إسرائيل” على قطاع غزة من جهة وقطع طريق توريد السلاح إلى حزب الله عبر الحدود مع سورية من جهة أخرى، إلاّ أنّ ما لديها من أسلحة مخزّنة وأخرى جرى ويجري تصنيعها في الداخل يكفي على ما يبدو للقيام بما يتوجّب عليها القيام به لصدّ العدو ومنعه من التدمير والتوسّع.
فوق ذلك، يجب ألّا يغيب عن أذهان قادة المقاومة أنّ “إسرائيل” تضرّرت كثيراً نتيجةَ الحرب التي شنّتها على جبهات غزة والضفة الغربية ولبنان لمدة 15 شهراً وأدّت إلى نزوح نحو 90 ألف مستوطن من مستعمراتهم في شمال فلسطين المحتلة، ومثلهم من إيلات ومحيطها في الجنوب، وإلى تدمير أو إغلاق مئات المصانع والشركات، وتضرّر سائر مرافق الاقتصاد، ونزوح أكثر من نصف مليون “إسرائيلي” إلى خارج الكيان، وتدمير الكثير من أسلحة ومعدات وعتاد الجيش “الإسرائيلي” ما يؤدي ذلك كله الى الحدّ من قدرة “إسرائيل” على الاستمرار في الحرب مدةً أطول.
يتضح من مجمل ما تقدّم بيانه أنّ قوى المقاومة الشعبية العربية نجحت، بحرب الاستنزاف التي ردّت بها على عدوان “إسرائيل” المتواصل والمدعوم من الولايات المتحدة مالياً وعسكرياً، في الصمود مدةً قياسية ضدّ العدو. أكثر من ذلك، عزّز صمود المقاومة الشعبية العربية في كلّ ساحاتها مفهوماً جديداً للانتصار قوامه إحباط مخططات العدو ومنعه من تحقيق أهدافه، وإعادة النازحين اضطراراً إلى ديارهم ومنازلهم وأملاكهم.
الخلاصة، إذا كان من شأن استراحة المتحاربين أن تؤدّي في المدى القصير إلى انسحاب العدو الصهيوني من كامل قطاع غزة ومن كلّ المواقع التي احتلها في القرى الحدودية بجنوب لبنان، فإنّ من شأنها في المدى الطويل أن تعزّز قدرات قوى المقاومة على الصمود، وإحباط أهداف العدو ومخططاته، ومراكمة الخبرات، وتعبئة الطاقات على طريق التحرير والنصر المتكامل.

*نائب ووزير سابق
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى