في لبنان وسورية أسئلة.. والجواب في واشنطن

ناصر قنديل
– تزامن في صدفة لكن معبّرة، انعقاد جلسات مجلس النواب اللبناني لمناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام، أولى حكومات عهد الرئيس العماد جوزف عون، مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في سورية تمهيداً لإعلان حكومة انتقالية خلال أيام هي أولى الحكومات المستندة الى قدر من شرعية يُراد من المؤتمر منحها، في ظل رئاسة تحتاج إلى قدر أعلى من الشرعية تسلّمها رئيس هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، أحمد الشرع، أبو محمد الجولاني سابقاً، ورغم تفاوت وتباين الظروف والمعطيات في كل من لبنان وسورية تتشابه المناخات التي حملت عبر ما يشبه الانقلاب الأبيض في البلدين، ضمن تداعيات ما بعد حرب طوفان الأقصى، والمشروع الأميركي لإعادة رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة، حيث توافرت ظروف جعلت قائد الجيش العماد جوزف عون بدعم أميركي علني مرشحاً أوحد للرئاسة نال شبه إجماع نيابي وشعبي تحت شعار تجنيب لبنان مخاطر تجدّد وتوسّع الحروب وتوفير شروط النهوض الاقتصاديّ وتأمين مستلزمات إعادة الإعمار، وكلها أهداف يراهن اللبنانيون على تحقيقها بدفع الأميركي، مقابل ارتضاء المقاومة الانكفاء إلى الصف الثاني عسكرياً مقابل الانتقال إلى الصف الأول سياسياً؛ بينما في سورية ولد سياق انتهى بسقوط النظام السابق دون قتال، أنتجته العقوبات الأميركية والضربات الإسرائيلية الممتدة لسنوات، ونتائج وتداعيات حرب طوفان الأقصى على محور المقاومة وخصوصاً استشهاد السيد حسن نصرالله، على الوضع الداخلي للنظام السابق في سورية وروحه المعنوية، فوصلت هيئة تحرير الشام الى الحكم في سياق نتائج الحرب والجغرافيا السياسية الجديدة التي ترغب واشنطن برسمها في المنطقة.
– تتضمّن النصوص المعروضة للنقاش والمداخلات المسجلة في الجلسات، سواء في دمشق أو بيروت كلاماً كثيراً عن الدولة وبناء الدولة ومعايير الإصلاح والحفاظ على الوحدة الوطنية وحفظ السلم الأهلي، لكن في بيروت ودمشق يعرف المعنيون أن التنافس يجري بين مسارين، واحد يأمل أن تقوم واشنطن بلجم تل أبيب عن التغوّل والتوغّل نحو لبنان وسورية، ومراعاة الحكم الجديد، وحفظ ماء وجهه، كي يتمكّن من القول لشعبه والذين لا يثقون بجدوى الرهان على واشنطن، أنه راهن على واشنطن وفاز بالرهان، وأن يترتب على ذلك الإفراج الأميركي عن أموال إعادة الإعمار في لبنان ورفع العقوبات عن سورية، دون ربط ذلك بتلبية دمشق وبيروت لشروط تل أبيب باتفاقيات مذلة وطنياً. أما المسار الثاني فيعتقد أن واشنطن التي ترعى هندسة المنطقة وفق رؤيتها، ملتزمة ضمن هذه الرؤية بموقع قيادي لكيان الاحتلال، وإلزام كل من يريد أن يكون تحت العباءة الأميركية بتأدية فروض الولاء للكيان وتلبية طلباته الأمنية والسياسية والاقتصادية، وإخضاع كل مساهمة أميركية في نهوض دول المنطقة بتلبية الشروط الإسرائيلية، ويدعو هؤلاء إلى تأمل كيفية التصرف الأميركي مع دول مستقرة ومحورية مثل مصر والأردن في ملف تهجير غزة ووضع المساعدات الأميركية كأداة ضغط لإرغام القاهرة وعمان على الرضوخ لحسابات المصلحة الإسرائيلية، رغم حجم ما يعنيه ذلك من تهديد وجودي لنظامي الحكم في البلدين.
– رغم تخطيط الحكم الجديد في كل من بيروت ودمشق لرؤى تمتد لسنوات، فإن الشهور القليلة المقبلة هي الحاسمة، وها هي الطائرات الإسرائيلية ترسم بغاراتها إيقاع التسارع أمام بيروت ودمشق معاً، حيث خلال هذه الشهور سيتبين للشعبين اللبناني والسوري أي من الرهانين يربح، الرهان على صداقة أميركا، والاعتقاد بأن هذه الصداقة تجنب البلدين الاستهدافات الإسرائيلية والطلبات التي تنتقص من السيادة وتهدد الوحدة وتذل الكرامة الوطنية وتهرق ماء وجه الحكم، أم الرهان الذي يقول إن واشنطن ليست إلا راع وحام لكيان الاحتلال وإن الرهان على صداقتها عبث، وإن بناء القوة وعنوانها المقاومة هو الطريق الوحيد لحماية السيادة الوطنية وحفظ كرامة الشعب والدولة في البلدين، وليس كثير الأهميّة أي من الخيارين سوف تسلك الحكومات، لأن ذلك لن يغير في الوجهة العامة للبلدين، فإن سقط الرهان على أميركا سوف ينهض الخيار المقاوم ويجتاح الساحتين اللبنانية والسورية، ويتوقف على قرار الحكم والحكومة مصيرهما وليس مصير البلدين، مع الأخذ بالاعتبار أن انحياز الحكم والحكومة الى جانب شعبه في نهاية شهور الفرصة المتاحة لخيار الرهان على واشنطن وصداقتها، إذا انتهت بسقوط هذا الرهان، يخفف كثيراً من الأعباء على الشعبين والدولتين، بل ربما يمهّد لتفاهمات على مستوى العلاقات اللبنانية السورية، وربما العلاقات بين القوى التي سوف تنهض بالمقاومة فيهما، أما إذا نجح الرهان على صداقة واشنطن كما يأمل الحكمان والحكومتان، فلن يتردّد المؤمنون بالمقاومة في تسهيل المهمة، فهل يقبل الحكام بتسهيل مهمة المقاومة إن حصل العكس؟