مقالات وآراء

من «محور المقاومة»إلى «جبهة المقاومة»: تغيير المصطلح أم متغيّرات الميدان لطوفان جديد؟

‬ غالب سرحان

أن يقرّر «محور المقاومة» تغيير إسمه الى «جبهة المقاومة» فهذا مؤشر على تحوّلات ما قد حصلت أو ستحصل على مستوى إدارة العمليات الحربية في الميدان، وأنّ ثمة قراراً ما قد اتخذ، وأنّ قادة هذا المحور ـ الجبهة قد وصلوا الى قناعة او معلومات بأنّ الحرب لن تضع أوزارها في المدى المنظور ما لم يرفعوا وتيرة الضغط لوقفها، هذا إنْ لم يكن وراء الأكمة ما وراءها، ما يشي بمتغيّرات تقتضي إعادة تموضعات تبدأ من «وحدة الساحات» وقد لا تنتهي بجبهة واحدة لكلّ الجبهات.
بمعنى أنّ «الوحدة» الأولى للساحات أدّت قسطها «الإسنادي» كلٌ على حدة ووفق ظروفها وما تراه مناسباً على مدى أشهر عشرة، وأنّ المرحلة باتت تفرض متطلب «الوحدة» الثانية الإدماجي لهذه الساحات في جبهة واحدة تفعل معاً في آن، ايّ وحدة الزمان في كلّ مكان، وهو ما أكده تطوّر الموقف الإيراني ورفع سقفه من «التدخل إذا هاجم العدو لبنان» قبل أسابيع، الى إعلان طهران «أن جبهة المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحدث في غزة» قبل أيام، وهو إعلان يأتي مشبعاً بفائض قوة وقدرة على التحكم ما يفرض المبادرة الى الانتقال لمرحلة جديدة من المعركة لن تقف عند «المرحلة الخامسة» استناداً الى متغيّرات شتى.
‭{‬ المتغير الفلسطيني
في كلّ لقاء يتمّ بين قادة المقاومة الفلسطينية في الخارج وقادة «جبهة المقاومة»، وفي غرفة عمليات هذه الجبهة المتصلة والمتواصلة مع مقاومة الداخل، كان الجانب الفلسطيني ولا يزال يؤكد انّ المقاومة في غزة لا تزال بخير وأنها قادرة على الاستمرار الى ما شاء الله.
وهو ما ترجمه تغييرها التكتيك بمرونة تتكيّف مع المتغيّر الميداني والانتقال من حال الدفاع الى حال الهجوم بدءاً من حفلة التدمير اليومي للدبابات، مروراً بالتفجير المتواصل للعبوات، الى نصب الكمائن ثم خوض اشتباكات بلغت حدّ فتح محاور، وصولاً الى استمرار الذراع الصاروخية للمقاومة الفلسطينية بقصف مستوطنات في غلاف غزة بعد عشرة أشهر من بدء العدوان بما يعنيه ذلك من قصف لأحد أهدافه المعلنة بالقضاء عليها.
هذا المتغيّر الفلسطيني في التكتيك، أكده اعتراف «إسرائيلي» في الاستراتيجيا ببلورة وثيقة في المؤسسة الأمنية والعسكرية بعد عشرة أشهر من «طوفان الأقصى».
حدّدت أنّ حركة «حماس ما زالت فاعلة في قطاع غزة وهي موجودة ويمكنها إعادة ترميم وبناء نفسها من جديد وأنّ 80% من مئات الكيلومترات من الأنفاق لا تزال في أيديها ويصل عدد مقاتليها إلى عشرات الآلاف».
يعني؟ فائض قدرة في الاشتباك والعمليات، وفائض قوة في التصنيع والقدرات، الصاروخية والعسكرية اللوجستية، وفائض عدد في الموارد البشرية.
ويعني أيضاً أنّ جبهة فلسطين أثبتت القدرة على المزاوجة بين ثنائية التضحية والتحمّل (الصبر الاستراتيجي)، وبين خيار الجهاد (المقاومة الاستشهادية) حتى آخر نفس، وكلاهما موصل الى حتمية النصر.
نصرٌ إذا تحقق ينتج متغيّر اليوم التالي، فهل جاء اتفاق بكين خطوة استباقية لترتيب البيت الفلسطيني قبل ذلك اليوم؟
لعلّ الجواب في مجلة «التايم» الأميركية بأنّ «الوحدة السياسية الفلسطينية بموجب اتفاق بكين قد تؤدي إلى تعقيد التخطيط لهيكل القيادة في غزة بعد الحرب»، وهذا ما يعني إجهاض المفاعيل السياسية للعدوان وأخطرها عمليات «الترانسفير» المتواصلة لتغيير الواقع الديموغرافي، ويعني أيضاً إفشال المشروع الأميركي ـ الصهيوني الذي على أساسه كان، وبموجبه يستمر.
‭{‬ المتغيّر اللبناني:
على الجزء اللبناني من جبهة المقاومة، تختلف الحسابات، إذ أنّ كلّ شيء بقدر، فالقدرات الضخمة والمفتوحة هنا، لا تقاس بها هناك كمّاً ونوعاً، لكنها تلتقي في المتغيّرات ومنها:
أولاً: ما عاد به الهدهد الثالث يوم الثلاثاء من قاعدة «رامات دافيد «الجوية متوغلاً خمسين كلم متجاوزاً كلّ منظومات الدفاع الجوي ما يعني أنه قادر على تدميرها وغيرها بأخرى انقضاضية وفي ذلك رسالتان ميدانية وسياسية :
الميدانية انّ مرحلة «وحدة الجبهات» جاهزة وربما تبدأ او قد بدأت، وأنّ خططها أخرجت من الأدراج ووضعت على الطاولة وأنها لن تقف عند هدهد ثالث للقيام بما يلزم لوقف العدوان.
السياسية ردعية لتوقيتها بالتزامن مع زيارة نتنياهو الى واشنطن لإفهامه والأميركي معاً، أن هذه المرحلة مغايرة لما قبلها اذا عادا بتصعيد او توسيع للعدوان.
ثانياً: التدحرج التصاعدي المناسب في إخراج نوعيات الصواريخ من المستودعات ووضعها في الخدمة، وما أطلق حتى الآن يندرج ضمن معادلة الإسناد ليس إلا، وهي رسائل تعلّم العدو كيف يتلقفها بعناية فائقة لكنها تدخله فقدان الوعي والتوازن والردع، بعدما أفقدته المقاومة منظومته الاعتراضية من القبة الحديدية وحيتس وغيرها.
ثالثاً: تكثيف القوة الجوية للمقاومة من المُسيّرة الواحدة او الاثنتين الى موجات من المُسيّرات متعددة المهمات وفي كلّ الاتجاهات وصولاً الى الجولان ما يعني «استباحة» جغرافيا الكيان وتحويلها الى حقل تجارب لمراحل لاحقة في حال تحوّل الساحات الى جبهة واحدة لكل الجبهات.
رابعاً: توسيع المدى الاستراتيجي في العمق الاسرائيلي عبر الهجمات المتتالية بالصواريخ والمُسيّرات للوصول الى مستوطنات جديدة لم يتمّ استهدافها منذ بداية الحرب، والى مواقع جديدة للمرة الأولى.
‭{‬ المتغيّر «الإسرائيلي»
ليس في المجال حيّز لسردية الخسائر الإسرائيلية في هذه الحرب حتى الآن، ولكن العلامات الفارقة توحي ببعض ما هو آتٍ، فالعدو العالق في عنق الزجاجة لا هو قادر على التوقف والتراجع لانه يعني السقوط والنهاية، ولا هو قادر على التقدّم والاستمرار لأنه يعني الانتحار، سواء في غزة او لبنان وحتى اليمن، وهو عملياً وباعترافاته خسر الشمال بامتياز وبكلّ المقاييس الى حدّ تبليغه رؤساء المستوطنات المُخلاة هناك بأنه لن يُقام عام دراسي فيها هذا العام.
وإذا كان صدع الشمال بات نقطة ضعف الكيان فإنّ متغيرات الحرب كشفت تصدعاته السياسية والامنية والاقتصادية والنفسية وجعلته مكشوفاً وجودياً، وهو انكشاف عمقته ووسعته عملية يافا اليمنية التي سجلت اختراقاً استراتيجياً على المركز الاقتصادي والمالي والتكنولوجي لما يسمّى «إسرائيل»، وهو ما أحدث دائرة خرق أمني أسّس لانهيار دوائر أمنية أوسع قد يرسم الردّ اليمني على عدوان الحديدة بعضاً منها.
وبين متغيّر وآخر يحاول نتنياهو تقطيع الوقت الذي يبدو انه يخدمه في الوقت الأميركي الضائع بين تنحّي بايدن، وبين الرهان على عودة ترامب الى الرئاسة، ومن الآن الى حينها إما أن يرتكب نتنياهو حماقات محدودة كما التلويح بتوسيعات لمدار الغارات في لبنان، وإما ينتظر ترامب على المنعطف الرئاسي لارتكابها على مدارات أوسع ما يضع المنطقة برمتها على جرف طوفان جديد، وهو ما تستعدّ له «جبهة المقاومة»…

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى