نقاط على الحروف

بين أول آذار وأول حزيران 2025

 

ناصر قنديل

 

– تمثّل الشهور الثلاثة الممتدة بين أول آذار وأول حزيران 2025 مرحلة انتقالية فاصلة في تاريخ المنطقة، حيث تولد حكومة انتقاليّة جديدة في سورية يفترض أنّها تمثل أساس الشرعية الانتقالية مع الرئاسة القائمة، على قاعدة اعتبار مؤتمر الحوار الذي شهدته دمشق برلماناً تأسيسياً للحكم الجديد، رغم كل النواقص التمثيليّة التي رافقت انعقاده. وفي لبنان تبدأ الحكومة الجديدة بممارسة مسؤوليّاتها الدستورية بعد نيل ثقة المجلس النيابي. وفي فلسطين تكون المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قد انتهت ووصلنا الى النقطة الفاصلة حول مصير المرحلة الثانية وتحديد مستقبل الاتفاق، ونكون كذلك على موعد مع انعقاد القمة العربية التي يفترض أن ترسم سقوف الموقف العربي في الردّ على مشروع تهجير غزة وفي النظرة العربية لكل ما تطرحه تحديات القضية الفلسطينية ما بعد طوفان الأقصى.

– على هذه المستويات الأربعة تعبر ثلاثة شهور فاصلة حتى أول حزيران المقبل، لأن القضية المحورية التي سوف يتقرّر على ضوئها مستقبل كل الساحات الحاسمة تحت اختبار يكفيه ثلاثة شهور ليكشف عن الاتجاه الذي سوف تسلكه المنطقة وساحاتها المختلفة، لأنه رغم الكثير من العناوين السورية المتصلة بالحكم الجديد والحكم له أو عليه وقراءة مستقبله تبقى ثنائيّة العقوبات الأميركيّة من جهة، والتحدي الإسرائيلي الضاغط من جهة مقابلة، ثنائية مقررة بالنسبة لسورية. والشهور الثلاثة سوف تظهر ما إذا كان الحكم الجديد سوف يحظى برفع العقوبات وتحرير قدرته على التحرك مالياً واقتصادياً، بمعزل عن اشتراط أميركي بتلبية الطلبات الإسرائيلية أم أن واشنطن سوف تقول لا رفع للعقوبات دون قبول الشروط الإسرائيلية. وفي هذه الحالة كيف سوف يتصرّف الحكم الجديد الوليد في دمشق والراعيان الإقليميان في أنقرة والدوحة من خلفه، سواء تجاه العقوبات الأميركية أو تجاه التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية، القبول والرضوخ يتكفلان بالسقوط الوطني الكامل للحكم الجديد ومن خلفه فضيحة مدوّية لكل من الدوحة وأنقرة، والرفض وخيار المواجهة ولو برعاية غير معلنة للمقاومة تحوّل نوعيّ كبير في معادلات الصراع، والصمت على قاعدة التجاهل والتواطؤ إفساح في المجال لولادة معادلات بديلة يصنعها الذين يتصدّرون المواجهة ويوحّدون سورية من خلفهم، وفي أول حزيران سوف نكون حكماً أمام مشهد جديد.

– في لبنان سوف يكون رغم الكلام الكثير الوارد في البيان الوزاريّ عن قضايا كثيرة شائكة ومهمّة، العنوان الأبرز هو مستقبل الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية، وما يرتبط بذلك من مستقبل العلاقة بين الدولة والمقاومة، فهل سوف ينجح رهان الحكومة والعهد الرئاسيّ الجديد على الاستجابة الأميركية لطلبات لبنان بالالتزام بموجبات الرعاية والضمانات الأميركيّة لاتفاق وقف إطلاق النار ومنع الانتهاكات الإسرائيلية للاتفاق، وبالتوازي إتاحة الفرصة لتمويل انطلاق عملية إعادة إعمار ما هدمته الحرب دون تبنّي واشنطن لشروط إسرائيليّة تريد استغلال الحاجة لتمويل إعادة الإعمار للنفاذ إلى قضية سلاح المقاومة، ولو من خارج ما نص عليه الاتفاق، أم أن لبنان سوف يجد نفسه أمام حائط دبلوماسي مسدود يفرض عليه خيارات صعبة، خيار قرار الجيش بالمواجهة مع الاحتلال، أو قرار التغاضي عن قيام مقاومة شعبية أو حزبية بوجه الاحتلال واعتداءاته، أو خيار التبني للشروط الأميركية الإسرائيلية والدخول في تصادم سياسي أو غير سياسي مع المقاومة، ولكل من هذه الخيارات مترتباته وتداعياته التي سوف تحكم مستقبل لبنان والحكومة والعهد، والشهور الثلاثة بين أول آذار وأول حزيران كافية لتظهير الصورة.

– فلسطينياً سوف ندخل مرحلة البحث الجدّي في مستقبل غزة، حيث على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يقرّر السير بمرحلة ثانية عنوانها إعلان إنهاء الحرب والانسحاب الكامل من قطاع غزة، مقابل استعادة باقي الأسرى الأحياء، وهم ضباط كبار وعسكريّون، أو اتباع العرقلة والمماطلة، وصولاً إلى قرار عدم السير في المرحلة الثانية، لأن الشهور الثلاثة كافية لحسم الصورة، فإذا سار بمواصلة تطبيق الاتفاق، وقبل صيغة لجنة إسناد اجتماعيّ ترعاها مصر من شخصيات غير حزبية تدير غزة، وهو يعلم أن حركة حماس تمسك الأرض ومعها السلاح والناس، فهذا يعني أن مرحلة جديدة سوف تبدأ في غزة، تكرّس نصر المقاومة وتفتح طريق الداخل الإسرائيلي على تداعيات سياسية بنيوية. ومهما كان الخطاب الإسرائيلي عن النصر عالي الصوت، سوف يكون فاقد القدرة على الإقناع، وإن قرّر ولو بطرق ملتوية التهرّب من مواصلة الاتفاق فهذا يعني أن مخاطر اشتعال الحرب سوف تبقى قائمة، وهذا يعني دخول غزة والمنطقة معها مرحلة مختلفة كلياً.

– عربياً معلوم أن العرب سوف يقرّرون الحوار مع واشنطن، ويقدّمون مشاريع تقنيّة تقول بإمكانية تعمير غزة دون التهجير، وهم يعلمون أن القضية ليست هنا، بل في الجواب على سؤال، هل سوف ينجحون بجلب واشنطن إلى منطقة عنوانها ربط اليوم الثاني في غزة بقيام دولة فلسطينيّة، لا تطبيع عربي قبل قيامها، أم أنّهم سوف يقولون ذلك ويسمعون الردّ الأميركيّ بالتضامن مع «إسرائيل» ويفضّلون الانكفاء والصمت، تفادياً للمواجهة، فإن نجحوا بجلب واشنطن إلى مربع الدولة الفلسطينية دخلت المنطقة مرحلة، وإن رفضت واشنطن وقرّروا السير بخطوات ضاغطة لفرض رؤيتهم والدفاع عن مصالحهم واستقرار أنظمتهم مرحلة مختلفة، وإن عادوا للصمت كما كانوا خلال حرب غزة، مرحلة مختلفة قطعاً.
– بين أول آذار وأول حزيران مرحلة جديدة حكماً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى